القاضي عبد الجبار الهمذاني

72

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : ليس كل ما شرعه النبي صلى اللّه عليه وسلم ثابتا « 1 » بالتواتر ، فكيف يصح ما تعلقتم به ؟ قيل لهم : إنا أردنا أن نبين أن حفظ ذلك ممكن بالتواتر ، وأن ذلك يسقط علتهم ؛ لأن قولهم بالحاجة إلى الإمام إنما يمكن متى ثبت لهم أن حفظ الشريعة لا يمكن إلا به ، فإذا أريناهم أنه يمكن بغيره ، فقد بطلت العلة . فإما أن يقول في جميع الشرع : إنه محفوظ بالتواتر ، فلا ، بل فيه ما نقل بالتواتر وفيه ما نقلته الأمة وأجمعت عليه . وقد علمنا بالدليل أنهم لا يجمعون على خطأ . وفيه ما ثبت بالكتاب المنقول بالتواتر ، وفيه ما ثبت بخبر تقام صحته بالاستدلال واكتساب « 2 » على ما قدمناه من قبل . وفيه ما ثبت بطريقة الاجتهاد من قياس وخبر واحد ، وكل ذلك يستغنى فيه عن الإمام . فإن قالوا : إن أهل التواتر وإن كانوا حجة ، فقد يصح عليهم السهو عما ينقلون في بعض الأحوال ، أو في كل حال ، فلا بد من حافظ يزيل سهوهم ، وينبه على كتمانهم ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم . قيل لهم : إن الّذي ينقله أهل التواتر علمهم به ضروري لا يزول بفعلهم ، بل القديم تعالى يفعله فيهم . وكمال العقل في الجمع العظيم يقتضي أن لا ينسوا ما حل هذا المحل . ولو جاز السهو في ذلك لم يؤمن حصول السهو في علمهم بالمشاهدات ، فتحيل معرفتنا بالبلدان والملوك ، وفساد ذلك يبطل ما قالوه ويجب أن لا يؤمن فيمن لا يعرف الإمام أن لا يعرف الصلاة والصيام ، والأمور الظاهرة في الشريعة ، بل كان يجب تجويز الإخلال في نقل القرآن ، ونقل كون الرسول في الدنيا وثبوت اعلامه . وبطلان ذلك يبين فساد هذا القول .

--> ( 1 ) في الأصل ( ثابت ) . ( 2 ) لعلها ( والاكتساب ) .